محمد بن جرير الطبري
159
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حمأ مسنون منتن . قال : وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب . قال : فخلق منه آدم بيده . قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى ، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل أي فيصوت قال : فهو قول الله : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ يقول : كالشئ المنفوخ الذي ليس بمصمت ، قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من دبره ويخرج من فيه ، ثم يقول : لست شيء للصلصلة ، ولشيء ما خلقت لئن سلطت عليك لأَهلكنك ، ولئن سلطت علي لأَعصينك . قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما . فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى من حسنه ، فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول الله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال : ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء . قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال : الحمد لله رب العالمين ، بإلهام من الله تعالى . فقال الله له : يرحمك الله يا آدم . قال : ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث به نفسه من كبره واغتراره ، فقال : لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا ، خلقتني من نار وخلقته من طين . يقول : إن النار أقوى من الطين . قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله ، وآيسه من الخير كله ، وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته ، ثم علم آدم الأَسماء كلها ، وهي هذه الأَسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأَمم وغيرها . ثم عرض هذه الأَسماء على أولئك الملائكة ، يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأَرض خليفة . قال : فلما علمت الملائكة مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم ، قالوا : سبحانك تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره ، تبنا إليك لا علم لنا إلا ما علمتنا تبريا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علمت آدم . فقال : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ يقول : أخبرهم بأسمائهم فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ أيها الملائكة خاصة إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولا يعلمه غيري وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يقول : ما تظهرون وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار . وهذه الرواية عن ابن عباس تنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً خطاب من الله جل ثناؤه لخاص من الملائكة دون الجميع ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة ، الذين قاتلوا معه جن الأَرض قبل خلق آدم . وأن الله إنما خصهم بقيل ذلك امتحانا منه لهم وابتلاء ليعرفهم قصور علمهم وفضل كثير ممن هو أضعف خلقا منهم من خلقه عليهم ، وأن كرامته لا تنال بقوى الأَبدان وشدة الأَجسام كما ظنه إبليس عدو الله . ويصرح بأن قيلهم لربهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كانت هفوة منهم ورجما بالغيب ، وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك ، ووقفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بالظنون ، وتبرءوا إليه أن يعلم الغيب غيره ، وأظهر لهم من إبليس ما كان